منتديات مركز النورين الدولي للانترنت

الموقع الرسمي لمركز النورين الدولي للانترنت في الناصرية
 
البوابةالرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول
 | 
 

 مفارقة الحياة والموت في الشعر الجاهلي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عصف الرياح



عدد الرسائل: 115
تاريخ التسجيل: 24/06/2007

مُساهمةموضوع: مفارقة الحياة والموت في الشعر الجاهلي   الأحد 22 يوليو 2007, 6:31 pm

لقد أدرك الإنسان منذ القِدَم الحقيقة المطلقة للموت، التي أخذت أهميتها الخاصة
في الفكر الإنساني من أمرين الأول كون الموت حقيقة مطلقة لا خلاص لأي كائن من ملاقاتها،
والثاني يتمثل في الغموض الذي يكتنفه باعتباره انتقالاً للمجهول الذي لا يعرف شيء عنه.

ويبدو إِن الإنسان الجاهلي – ولا سيما الشاعر- لم يذهب إلى أبعد مما ذهب إِليه إنسان وادي

الرافدين في نظرته أو رؤيته لحياة والموت. إِذ نجد هذه النظرة مملوءة بالتناقض، الذي يُهيكل
ويصوغ الفكرة الإنسانية لمعادلة الحياة والموت ، تحتوي الحياة بكل حيويتها المطلقة وسعتها اللامحدودة ،
هي المعادل للموت بكل غموضه وجبروته وسعته غير المحدودة. ومن هذا المنطلق نرى اصطباغ
معالجات الحياة والموت في الشعر الجاهلي ، بصبغة المفارقة الأصلية، فالفكرة مبنية أساساً على التناقض،
وبصورة فطرية صادقة في عقل الإنسان الجاهلي عامة، والشاعر الجاهلي خاصة، حيث صفاء الذهن ،
ونقاء الروح ، والتأمل العميق في مجاهيل الصحراء المُهلكة، رمز الحياة والموت ، تجعل من حياة
الجاهلي بكل تفصيلاتها تتوجه بحتمية من طبيعة الزمان والمكان نحو الفكرة الفلسفية للحياة والموت،
بانجذاب مقصودٍ وغير مقصود.
، يقول طرفة بن العبد :-

ومَا تُنْقصُ الأيامُ والدَّهرُ يَنْفدِ أرَى العيشَ كنزاً نَاقِصاً كُلَّ لِيلةٍ

الشاعر في عيشٍ رهيب، مُطارد من الموت أبدا ، في كل يوم له جولة ، تنتهي بانتزاع الأيام انتزاعاً لابد منه،

فتخف كفة الحياة ، وتثقل كفة الموت ، هذه المفارقة الأبدية تحفر في الفكر الإنساني كل يوم ، لتُشكل
القلق والفزع في الذات الإنسانية – ذات الشاعر الشديدة الحساسية والشفافية _ وهي الذات السلبية التي
لا تستطيع أن تحبس نفسها داخل التاريخ والواقع، بل تتجاوزهما وتعلو فوقهما، تاركة نفسها لعفوية الفكر،
وهي الذات المغالطة التي تخضع سلبيتها لموضوعية مزعومة لأن كل شيء ينقص ولا يمكن تعويضه
أو معالجته،إِلاَّ الأيام ، فهي خارج قدرة الاحتواء الإنساني، حيث تُنتزع أيام الإنسان ، وهو يقف أمامها
مذهولاً مفكراً، دون جدوى ،التناقض بين الإنسان بآماله ومخاوفه وأعماله وبين القدر المظلم العنيد يقدم
مجالاً واسعاً للكشف عن المفارقة المأساوية والشاعر هنا يقف في مركز الثقل الفكري للحياة والموت ،
ويجسد مفارقة القدر المأساوية ، تجسيداً مُظلماً مستسلماً. ويدرك الشاعر الجاهلي، أنَّه أمام جبار فارغ الفم ،
يبتلع كل الكائنات ولا يشبع، ويتساءل تساؤل مَنْ يعرف الإجابة ، ولكن لابد من التساؤل الذي يحمل في
طياته المفارقة الممزوجة بالعجز أمام هذا الجبار – الموت – يقول المُمَزَّقُ العَبدِيّ:-

وَرَفعُونِي وَقالُوا أَيّمَا رَجُلٍ وَأَلبَسُوني ثيَاباً غَيْرَ أَخْلاقِ
وَأرْسَلوا فِتْيِةً مِنْ خَيْرهِمْ حَسَباً لّيُسْنِدُوا فِي ضَريحِ التّربِ أطْبَاقي
هَوِّنْ عَلَيْكَ وَلاَ تَوْلَعْ بإِشْفاقِ فَإِنَّمَا مَالنَا لِلوَارث البَاقي


مَنْ ينقذ الفتى من بنات الدهر ونوائبه، هل هناك تعويذات مجدية ، أم هناك واقٍ يقف حائلاً بين

حمام الموت والفتى .. يتساءل ويتساءل ، ويعرف تماماً أِنَّها فلسفة الحياة وهي تداعب الفكر ا
لإنساني ، وسطو الموت وهو يكتسح الحياة ، مفارقة أزلية لا تخرج عن تفسير (كونوب ثرالوال
لها في الجوهر ، ولكن لكل شاعر نظرة في تفسيرها وفلسفتها، بطريقته الخاصة نظرة في الحياة
تجد الخبرة عرضة لتفسيرات متنوعة ، ليس فيها واحدة صحيحة دون غيرها، وذلك لأن التنافرات
جزء من طبيعة الوجود وشاعرنا يدرك تماماً حقيقة الموت ويقبلها ، من حيث أِن القبول الصادق بالموت
يمكن أن يساعدنا على أن نعيش بشكل اكثر أصالة وسعادة .. فالحقيقة يمكن معرفتها فقط ، وفقاً لكير
كجور من خلال أدراك الشخص لها ، وكما هي مرتبطة بالظاهرة الطبيعية مما يدل على وعي نافذ للموت
في الفكر الجاهلي ، والذي يولد بعد تأمل مفارقة واعية في الشعر الجاهلي ، وهذا يُعطينا مستوى ناضج
في شعر ما قبل الإسلام ، وفكر شعراء ذلك العصر.
الموت كأس دائرة سينهل منها الجميع ، ( لا مهرب منه ولا فرار ، والأيام محصيةُ على البشر ، كلاً منهم

له نصيب منه ، ومغادرة هذه الدنيا أمر حتمي، هو الغربة والبُعد الحقيقي الذي لا رجعة منه ،
يقول بشر بن أبي خازم :-

كَفى بالموتِ نَأياً واغتَرابا ثَوْى في مَلحدٍ لابد منهُ

جاور الشاعر بين ( الموت / والبعد ) ، لكن هذا البعد لا أمل فيه ، ولا عودة منه ، سفرة أبدية يقوم

بها كل أنسان، المفارقة تكمن في المعرفة من عدم العودة ، والأمل والشوق لمن أبعده الموت ونأى به،
لقد أفصح الشاعر عن فكرته ، وقام بإيصال رسالته التي تتصف بالمفارقة، بصورة واضحة بعيدة عن
التشوِّيش،وإِذا انعطفنا إِلى شاعر آخر هو أبي زبيد الطائي ، نسمعه يقول :-

ما كان من عاداتك الهَجْرُ يا هَاجِري إِذ جئتُ زائَرهُ
مَنْ حالَ دونَ لقائهِ القبرُ يا صَاحبَ القَبرِ السلامُ على

فهو يعاتب صاحبه الذي هجره دون أرادته ، وإِنَّما بإرادة الموت القاهرة ، يعاتبه على هجره ، برغم

معرفته التامة ، بأن الهجر ليس من طباعةِ ، فهو هجر أوجبه القدر الحتمي، ويرمي شاعرنا السلام
على ساكن القبر ، ويعلم إِن السلام كما هو اللقاء ، دونهما القبر .. مفارقة شعورية ، تضافر القدر
بمأساويته ،وشعور الشاعر ومحبته ، على نسجها بتوتر تضادي عالي الخزن والعاطفة، ونلاحظ أن
حقيقة الموت عند شاعرنا وشعراء عصره أيضا ، (( لا تنبع من العقل الواعي فحسب، ولكن من العقل
الباطن ، ولا يستمد من الوعي الفردي فحسب ، ولكن من وعي الجماعة أيضاً .. أن وعي الجماعة هو
المصدر الحقيقي للإلهام الفني العبقري . وهذا الوعي تيار ينحدر من الماضي إِلى الحاضر بعد أن يزود
ه كل جيل بروافد جديدة ، وقد أدرك الشاعر الجاهلي مصيره، ووعي ذلك المصير ، وعياً مؤلماً يحفهُ الاستسلام والقبول بمصير مجهول غامض ، فالإنسان بطبيعته ينفر من الأذى ويستعد له ويتحوط ،ولكن مع الموت يسير
برضى المقهور على أمره ، المستسلم لمصيره ، البشر جميعاً ماضون في رحلة الموت ، يحثون الخُطا نحو
نهايتهم ، إِلى حيث صار جميع مَنْ سبقهم في هذه الرحلة ، يقول قُس بن ساعدة الأيادي:-

في الذَاهبين الأولِيـ ـن من القرونِ لنَّا بصائرُ
لمِا رأيْتُ مَوارِداً للموت ليسَ لها مصَادرُ
ورَأيْتُ قَومِي نَحوهَا يَمضي الأصَاغِرُ والأكَابِرْ



الشاعر هنا يعترف اعتراف المُدرك لمصيره ، ومصير مَنْ سبقه ، وينحني انحناء الخاضع لانتصار

الموت ، والإقرار بحكمه . فقد رأى بأم عينيهِ موارد البشر جميعاً ، الذي لا يصدر ولا يعود عنه أحد منهم،
التقابل المتضاد بين ( وارد الموت / ومصادره ) ، أحدث مفارقة قدرية مأساوية ، نرى لها تابع مأساوي أخر ،
وهو سير قوم الشاعر نحو الموت صغيرهم وكبيرهم ، إِذاً مصير يجمع كل البشر بتناقضاتهم الاجتماعية
وصورهم التقابلية المتضادة ، ويؤكد اللاعودة من هذا السبيل ، بل هو بالتالي صائر إِلى حيث صار القوم .
ومثل ذلك إقرار النابغة الذبياني بالموت القاهر الجبار ، الذي لا يلوى على شيء يقول :-

وكل أمرىءٍ يوماً به الحالُ زائلُ فلا تبعدنْ إِنَّ المنيةَ موعدُ

نعم المنية موعد لابد من حضوره، مهما ابتعد المرء ، ومهما تحايل على القدر فهو مشدود إِلى ذلك الموعد

–المنية – ولابد إِن يكون يوم الفناء المحطة الأخيرة ، في قاطرة الأيام . المفارقة تكمن في هذا التلازم
الأبدي بين الإنسان ، بكل تحايله وابتعاده ، وبين الموت ، قدرهُ . سخرية يدركها الإنسان والشاعر ،
ويخضع لها قاهراً ، مغلوباً على أمره . ونجد أمية بن أبي الصلت يوافق النابغة ، عندما يقول:-

في بعض غِرّاتهِ يوافُقِها يًوْشكُ مَنْ فرَّ مِن منيتهِ

لا سخرية اكثر مأساوية من قدر الإنسان ، مهما فر من قدره ومنيته ففي النهاية واقع في شباكه ،

وكأن الموت يدرك سلوك الإنسان هذا فيتركه يفعل ما يريد ، ويتأمل ابتعاده عن مصيره ، وتفننه في الهرب ،
وإذا هربه يوصله إلى أحضان الموت ، وهنا تكمن المفارقة التي يبدو فيها الخلاص هلاكاً .مهما اتقى الإنسان
المنايا ولو تحصن في حصنٍ منيع وبذل في ذلك الغالي والنفيس ، ولو عرج الى السماء ، فلابد أنّ ينزل
الموت به ، قدرهُ وقضاء الله أنزله على عباده دون استثناء ، يقول زهير بن أبي سلمى :-
وإِنْ رامَ أسبابَ السماءِ بسلمِ ومَنْ هابَ أسبابَ المنايا ينلنَّهُ


ومن منظار أخر ، نجد بعض الشعراء يعبرون عن أملهم في طول العيش ، والقلق الذي يصاحب هذا الأمل ،

لنستمع إلى النابغة الجعدي وهو يقول :-


تَفنى بشاشتهُ ويَبـ ـقى بعدَ حُلوِ العيشِ مُرُّهُ
وتسوؤهُ الأيامُ حـ تَّى ما يَرى شيئاً يَسُرُّهُ

يتحدث الشاعر عن طموحه وآماله في طول العيش ، فالطموح والأمل حق مشروع لكل إنسان .. ولكن هيهات

أن ينال المرء السعادة التي يبغي ويتمنى ، لان طول العيش قد يرافقه الضرر ، وتنتهي بشاشة المرء
وحياته الحلوة ، ويحل مكانها المر ، ويتبدى سرور الأيام ليحل محله السوء ، وبعد هذه الرحلة الممزوجة
بالتناقضات ، ينتهي المرء إلى القبر ، وحتى تلك اللحظة نجد مَنْ يشمت ، ومَنْ يحزن ، يعرض الشاعر صوراً
متقابلة مضادة ( طول العيش / الضرر) ، (حلو العيش / المُر) ، (سوء الأيام / يسرها)،
( الشامت / قائل له دره) وهنا لابد من الاتفاق مع ( كيركيكارد ) حين يقول :- (( ليس من فلسفة حقيقية
ممكنة من دون شك ، كما يدعي الفلاسفة ، كذلك قد يدعي المرء أن ليس من حياة بشرية أصيلة ممكنة
من دون مفارقة . في الصور المتقابلة المتضادة نلمس الشك والمفارقة معاً ، والشك يدفع بالفكر الإنساني إلى
القلق ، الذي يولد بدوره تضاداً عالياً ، قد يصل إلى حد التطرف ، وهذا الأمر يغذي المفارقة ويزيد الهوة بين المتعادلين المتقابلين المتضادين . والمفارقة عند الجعدي
((مفارقة كشف عن الذات ، تبدو إن المرء له الحق في إبداء طموحه بطول العيش ، لكنه –بوعي أو دونه –

يسعى إلى ما هو اشد عذاب له ، وهنا يكمن النقيضان ( الحياة والموت ) ليشكل مفارقة بعينها .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

مفارقة الحياة والموت في الشعر الجاهلي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» سريال مدى الحياة Smadav 2013 Rev. 9.5
» Avast professionnel 4.8 +السريال مدى الحياة
» اجمل الاقاويل التي قيلت في الحياة
» باتش Internet Download Manager تفعيل مدى الحياة
» تساقط الشعر

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات مركز النورين الدولي للانترنت :: قسم الادب والثقافة :: منتدى الشعر العربي الفصيح-